أرض الفيروز وجنّة الشمس

عام منذ 4 سنوات و 3 شهور 133
أرض الفيروز وجنّة الشمس

تحولت سيناء ساحة حرب مفتوحة في الأشهر الماضية، وبات اسمها حاضرا بشكل دائم في وسائل الأعلام. وإذ أعلن المتحدث باسم الجيش المصري أن قوات الجيش والشرطة مستمرة في أكبر عملية عسكرية في شمال هذه المنطقة لتطهيرها من "الإرهاب"، تبنّت جماعة تتخذ من هذا القطاع مقراً لها، الهجوم على وزير الداخلية.

هذه الاحداث أعادت سيناء إلى الواجهة، وتناقلت وكالات الاخبار اسماء مدنها وقراها التي لا نعرف عنها شيئاً. في الماضي، كما في الحاضر، عرف الناس هذه الأرض من خلال القصص التوراتية التي تناقلها الرواة شرقاَ وغرباَ، وأضحت سيناء في الذاكرة الجماعية الصحراء التي تاه فيها اليهود، والجبل الذي خاطب فيه الله نبيّه موسى، والواحة التي تحتضن ديراً بيزنطياً قديماً يحمل اسم القديسة كاترينا.
يرد ذكر سيناء مرة واحدة في القرآن الكريم، وتحديداً في الآية العشرين من سورة "المؤمنون": "وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين". يتوقف الإمام الطبري في تفسيره أمام كلمة "سيناء"، ويشير الى اختلاف أهل التأويل في شأنها، اذ قال البعض معناه المبارك، وقال البعض الآخر معناه حسن، وقال آخرون "هو اسم جبل معروف"، وهو "الجبل الذي نودي منه موسى"، وهو "الطور الذي بالشام، جبل ببيت المقدس"، "بين مصر وبين أيلة"، أي العقبة. كعادته، يستعرض الطبري هذه المعاني المتعددة، ويرى أن "سيناء بمعنى مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب"، "غير أنه جبل عُرف بذلك"، فهو "الجبل الذي نودي منه موسى"، وهو من هذا المنطلق جبل مبارك. يتردّد صدى هذا التعريف في "معجم البلدان"، وفيه يقول ياقوت الحموي إن سيناء "اسم جبل بقرب أيلة"، وهو "كورة بمصر"، و"طور سيناء جبل بالشام، وهو طور أضيف إلى سيناء". يجمع أهل التفسير والأخبار على القول بأن هذا الطور هو الطور الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران، وهو واحد من ثلاثة محال بعث الله في كلٍّ منها نبياً من أصحاب الشرائع الكبار. في طور سيناء، خاطب الله موسى. وفي بيت المقدس، أرض "التين والزيتون"، بعث عيسى بن مريم. وفي البلد الأمين، مكة، أرسل محمد بن عبد الله.
في "الأعلاق الخطيرة"، يذكر بن شداد الجبل الذي "يقال له الطور"، ويضيف: "قيل إن موسى عليه الصلاة والسلام، منْ هذا الجبل رأى النار، ومن هذا الموضع أرسله الله". وفي "خريدة العجائب وفريدة الغرائب"، يستعيد ابن الوردي بعض ما قيل في "جبل طور سيناء"، وهو في هذا التعريف: "بين الشام ومدين. قيل إنه بالقرب من أيلة، وهو المكلم عليه موسى عليه السلام. كان إذا جاء موسى عليه السلام للمناجاة ينزل غمام فيدخل في الغمام ويكلّم ذا الجلال والإكرام. وهو الجبل الذي دُكّ عند التجلي. وهناك خرّ موسى صعقاً. وهذا الجبل إذا كسرت حجارته يخرج من وسطها صورة شجرة العوسج على الدوام، وتُعظم اليهود شجرة العوسج لهذا المعنى، ويقال لشجرة العوسج شجرة اليهود". وفي "الروض المعطار في خبر الأقطار"، يقول الحميري في تعريفه بـ"الطور": "قال بعض أهل اللغة: كل جبل طور. وقال آخرون: الطور كل جبل أجرد لا ينبت شجراً. ولا خلاف أن في الشام جبلاً يسمى الطور، وهو طور سيناء، قيل إنه الذي أقسم الله به لفضله على الجبال، إذ روي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال إني مهبط على أحدكم أمري، يريد رسالة موسى عليه السلام، فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله عز وجل وقال: حسبي الله، فأهبط الله الأمر عليه".
هكذا بات الطور مرادفاً للجبل الذي نودي منه موسى، ونقل الرواة طائفة من الأخبار والحكايات الخاصة به، ومن ألطف ما قيل في هذا الشأن رواية مفادها أن موسى توجّه إلى الله وسأله: "يا ربّ أنا كليمك ومحمد حبيبك، فما الفرق بين الكليم والحبيب؟ فقال: الكليم يعمل برضاء مولاه والحبيب يعمل مولاه برضائه، والكليم يحبّ الله والكليم يأتي إلى طور سيناء ثم يناجي، والحبيب ينام على فراشه فيأتي به جبريل إلى مكاني في طرفة عين لم يبلغه أحد من المخلوقين". تقدّس الطور بعدما أهبط الله الامر عليه، وقيل إنه "تشظّى ستة اشظاظ" لما تجلّى الله له، "فنزلت بمكة ثلاثة، حراء وثبير وثور، وبالمدينة، أحد وعير وورقان". وقيل أيضاً إن بيت الله الحرام أُسّس "على خمسة أحجار: حجر من حرّاء، وحجر من طور سيناء، وحجر من لبنان، وحجر من ثبير، وحجر من جوديّ".

 

جنّة الشمس
بقيت صورة سيناء في الذاكرة الجماعية ثابتة لا تتغيّر، في الشرق كما في الغرب. في عشرينات القرن الماضي، قصد نيكوس كازانتزاكيس هذه الأرض الصحراوية، ودوّن فيها كتابات تعكس بقوة هذه الصورة. في هذه اليوميات التي صدرت منذ أكثر من عقدين، في ترجمة عربية من توقيع محمد الظاهر ومنسة سمارة، يقول الكاتب اليوناني الشهير: "منذ سنوات وسيناء ذلك الجبل الذي وطئه الله، تلمع في ذاكرتي مثل قمة لا سبيل إلى الوصول إليها، البحر الأحمر، الجزيرة العربية، قافلة الجمال الطويلة التي تعبر الصحراء، الجبال الغادرة الوحشية التي أنّ فوقها اليهود بعد أن تاهوا في الصحراء أربعين سنة، وأخيراً ذلك الدير الذي بني فوق ذلك المرج المحترق الذي لم يفن ولم يهلك، هنا، يتجسد الهدف الذي كنت أحنّ إلى إنجازه طوال السنوات التي كنت أسير خلالها بغير هدى في المدن الكبيرة". في موقع آخر، يعلن الكاتب بشكل مباشر عن السبب الذي دفعه الى القيام بهذه الرحلة، ويقول: "لكن العهد القديم هو الذي كان مصدر إثارة دائمة لي، فقد أقام علاقة طويلة وعميقة مع روحي. فقد كنت وأنا أقرأ هذا النص الفج، أحسّ بصاعقة الانتقام والثأر الذي يشتمل عليها هذا الكتاب، والتي تحرق الانسان حين يمدّ يده إليه مثل الجبل الذي نزل عليه الرب، وكنت أنبض بالشوق كي أذهب وأرى بعيني، وألمس تلك الجبال التي ولد فوقها". يتجول كازانتزاكيس عبر الصحراء، عند أطراف سيناء، وقلبه "ينبض بشكل متناغم، ينبض بعناد كما يدقّ قاطع الحجارة على الحجر". ثم يعبر الصحراء، ويكتشف "الخروج الإنساني الجديد،"، ويسأل: "لقد عبرت الصحراء العربية التي أبدعت الرب، وكانت كل آلام الانسان المعاصر تضرب بعنف في صدغي. كيف نجونا نحن أيضاً، وكيف خلقنا المخلّص المعاصر، الذي لحمه من لحمنا، ذلك البطل الذي يقودنا إلى الأرض الموعودة المعاصرة؟".
يتحدث الراوي عن البدو والجمال والشمس والصحراء، ويبدو مفتوناً بمرافقيه الثلاثة: منصور، طعمة، وعودة. يراقبهم "بإجلال عظيم" وهم يؤدّون الصلاة، ويتأمل في "وجوههم الطاهرة البسيطة التي لوّحتها الشمس، مستغرقة بإلههم الفطري البسيط، مشرقة متألقة"، ويضيف معلّقاً: "كنت أحس بأن أبواب الجنة قد فُتحت للحظات كي تسمح لهم بالدخول. ان جنتهم الخاصة، جنة المسلمين، وجنة البدو، هي جنة الشمس، الجمال الصغيرة، الماشية التي ترعى في المراعي الخضراء، الخيام الملوّنة المصنوعة من وبر الجمال، النساء اللواتي يتبادلن الأحاديث في الخارج، وقد طلين أيديهن بالحنّاء، وعيونهن بالكحل، ووضعن على الخدّين شامتين صناعيتين، ولبسن أساور من فضة حول معاصمهن، وخلاخيل من فضة حول كواحلهن".
من الطور الذي جمع بين من خاطب في أعلاه الله نبيه موسى، ينتقل كازانتزاكيس إلى دير القديس كاترينا الذي شيّده الامبراطور يوستينيانس في القرن السادس، وهو بحسب تعبيره "احدى معجزات الروح"، فما "زال قائما منذ اربعة عشر قرناً"، "بُني حول نبع ماء في هذه الصحراء القائظة الحارة"، وارتفع وسط قبائل السلب والنهب التي "تنتمي الى اديان معادية ولغات اخرى"، و"لا يزال يتسامى مثل حصن منيع، ويقاوم القوى الطبيعية والبشرية التي تحاصره". في هذا الدير العظيم، يدخل الكاتب في حوار مثير مع راهب يدعى ثيودوسيوس، ويقول له: "اذا خرجت من حجرتك الهادئة، والتفتَّ إلى هذا العالم، فإن قلبك الدافئ المحب الذي يحب الجنس البشري سوف يرتعد من الألم، وستجد هناك أشياء جديدة لم تكن موجودة قبل الحرب تحاصرك، رعب ديني مظلم جديد. فالشعوب بعد الحرب في حالة هياج، ورياح الدمار تهبّ على الأرض. لقد هبّت العاصفة، وهي قادمة الينا، وسوف تجرف في طريقها العديد من ملامحنا المحبوبة، والعديد من الأفكار القديمة، ولن يكون هناك أي خلاص".
زار كازانتزاكيس سيناء في منتصف العشرينات، قبل اندلاع الحرب العالمية، وقبل نشوء دولة اسرائيل. شهدت سيناء في العقود التالية سلسلة من الحروب، وحضرت بقوة في كتابات الأدباء المصريين الذي شهدوا هزيمة 1967، ومنهم أمل دنقل الذي كتب في ايلول 1970: "إن المدافع التي تصطف في الحدود في الصحارى/ لا تطلق النيران إلا حين تسير للوراء/ إن الرصاصة التي ندفع فيها/ ثمن الكسرة والدواء/ لا تقتل الأعداء/ لكنها تقتلنا إن رفعنا صوتنا جهاراً/ تقتلنا وتقتل الصغارا". بقي اسم سيناء حاضرا بعد حرب تشرين 1973، وتغنّى به العديد من الشعراء. حيّا صلاح عبد الصبور "أول مقاتل قبّل تراب سيناء"، وسأله: "ترى، ارتجفت شفاهك، عندما أحسست طعم الرمل والحصباء/ بطعم الدمع مبلولا/ وماذا استطعمت شفتاك عند القبلة الأولى/ وماذا قلت للرمل الذي ثرثر في خديك أو كفيك/ حين أنهرت تسبيحا وتقبيلا/ وحين أراق في عينيك شوقا كان مغلولا/ ومد لعشقك المشبوب ثوب الرمل محلولا".
تحولت سيناء في العقود الأخيرة إلى موقع سياحي يقصده الحجاج المسيحيون في الدرجة الأولى، وعملت الدولة على تنمية هذا القطاع السياحي الديني. في زمن كازانتزاكيس، كان الحجاج الذين يقصدون دير القديسة كاترينا بعض الأوروبيين القادمين من هنا وهناك. بحسب السجل الذي حمله الراهب ثيودوسيوس، زار هذا الدير بين 1897 و1925 مئة وخمسة وأربعون انكليزيا، تسعة وستون فرنسيا، ثمانية وخمسون اميركيا، ستون المانيا، وخمسة وثلاثون يونانيا. تغيرت الصورة جذرياً في أواخر القرن العشرين، وبات الدير موقعاً من أهم مواقع ما يُعرف بـ"السياحة الروحية". على رغم الصعاب التي عرفتها مصر في تاريخها المعاصر، ظل هذا الموقع حياً، وظلت سيناء "أرض الفيروز" التي تحتضن مركز "العريش" شمالاً، و"بلاد التيه" في الوسط، ومركز "الطور" جنوباً، وفيه جبل موسى، وجبل القديسة كاترينا، أعلى جبال مصر.
تتلبّد الصورة من جديد اليوم، وتتحول سيناء ساحة حرب تتجدد فيها الاشتباكات يومياً. في انتظار ما ستؤول اليه الأحوال، يواصل الجيش المصري غاراته الجوية في شمال سيناء، على الحدود مع غزة، معلناً "استمرار القوات المسلحة والشرطة المدنية في مطاردة المجموعات الإرهابية والقضاء على جميع البؤر الإجرامية، حتى يتم فرض الأمن واستعادة الاستقرار بشكل كامل في شمال سيناء وكل ربوع مصرنا الغالية".

 

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -